طه عبد الرحمن

51

سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية

4 - نقد اعتقادات شائعة بصدد الدين والأخلاق حسبنا ما تقدم توضيحا للمواقف الثلاثة من الصلة بين الدين والأخلاق في الفلسفة الغربية الحديثة ، أي " تبعية الأخلاق للدين " و " تبعية الدين للأخلاق " و " استقلال الأخلاق عن الدين " ، مع العلم بأن غرضنا لم يكن استيفاء الكلام في هذه المسألة ، لأن ذلك لا يتسع له الكتاب الواحد ، فما الظن بفصل واحد من الكتاب ! وإنما كان غرضنا أن نمهد لموقفنا من هذه الصلة الذي بنينا عليه آراءنا المختلفة التي عرضناها في فصول هذا الكتاب ، غير أنه ما زلنا في حاجة إلى التنبيه على أن هذا الموقف يختلف عما هو معهود عند فقهاء المسلمين وأصولييهم ، وبالأولى عند متكلميهم وفلاسفتهم . فإذا كان المتكلمون والفلاسفة قد تذبذبوا بين القول بتبعية الدين للأخلاق والقول باستقلال الأخلاق عن الدين ، فإننا لا نقرهم على هذا التذبذب ، بل ، على العكس من ذلك ، نلومهم عليه ، لأنه دليل ضعف وتقليد لا دليل قوة وتجديد ، إذ وقعوا فيه بسبب انسياقهم إلى التفكير في هذه العلاقة على مقتضى المنقول اليوناني ؛ وإذا كان الفقهاء والأصوليون قد أخذوا بمبدإ تبعية الأخلاق للدين بموجب تسليمهم بأن الدين جاء لينظم حياة الإنسان في مجموعها ، فإن كنا نقرهم على هذا الأخذ ، فإننا نلومهم على كونهم جعلوا رتبة الأخلاق لا تتعدى رتبة المصالح الكمالية ، حاملين عبارة " مكارم الأخلاق " - التي ورد بها الحديث الشريف المعلوم : " إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق " - على معنى " مكامل الأخلاق " ، أي تكملات للأخلاق ؛ في حين لو أنهم اتبعوا المنطق السليم في فهم حقيقة الدين ، لتبينوا أن الأخلاق أولى برتبة المصالح الضرورية من غيرها ؛ فما ينبغي لدين إلهي ، ناهيك بالإسلام ، أن ينزل إلى الناس ، مقدّما الاهتمام بشؤون الحياة المادية للإنسان على الاهتمام بكيفيات الارتقاء بحياته الروحية ! وهل في المصالح ما يختص بكيفيات هذا الارتقاء غير الأخلاق ! ثم هل في شؤون الإنسان ما هو أدل على إنسانيته من شأنه الخلقي ! وإذا قيل بأن الفقهاء والأصوليين قد ذكروا " حفظ الدين " من بين المصالح الضرورية ، والأخلاق إنما هي تابعة للدين ، فإذن حفظهم للدين هو حفظ للأخلاق ؛ قلنا بأنهم بين موقفين اثنين ، وكلاهما قادح فيهم ، فإما أن يفهموا هذه التبعية بمعنى كون الأخلاق جزءا من الدين كما تكون العبادة جزءا منه ؛ وحينئذ ، يلزمهم أن يكفوا